Invent

جرائم ضد الانسانية فى سوريا


 
مداخلة كتابية للجلسة ال18 لمجلس حقوق الانسان بالامم المتحدة
 البند رقم 4
مقدمة من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، ومؤسسة هيثم المالح للدفاع عن المدافعين عن حقوق الإنسان في سوريا

 

جرائم ضد الانسانية فى سوريا

لا يزال القلق البالغ يساور كل من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، ومؤسسة هيثم المالح للدفاع عن المدافعين عن حقوق الإنسان في سوريا إزاء الانتهاكات الصارخة والمستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ترتكبها السلطات السورية ضد مواطنيها. وفي الوقت الراهن، يعيش الشعب السوري أزمة حقوقية بالغة، كما يعيش الكثير منه في العديد من المناطق حالة من حالات الطوارئ الإنسانية أيضًا.

وتؤكد التقارير التي رفعتها بعض المجموعات الحقوقية السورية أن الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان على يد السلطات السورية هي انتهاكات تجرى بشكل منتظم، وعلى نطاق واسع، وتصل إلى حد كونها جرائم ضد الإنسانية. وفي سبيل قمع المظاهرات وقمع خروجها، تستخدم السلطات قوة تصل إلى حد كونها مميتة بغية تحقيق أغراضها؛ فمنذ بداية حالة الاضطرابات، وقع آلاف الأشخاص ضحايا لعمليات قتل خارج نطاق القضاء، اعتقال تعسفي واختفاء قسري. ولا توجد أية دلالات تشير إلى أن هذه الانتهاكات سوف تتوقف أو حتى تقل.

وقد عرَّفت بعض المنظمات الحقوقية السورية الأنماط التالية على أنها الأنماط المستخدمة في انتهاك حقوق الإنسان منذ بداية الاضطرابات:

1)     في حين تظل قرابة كافة المظاهرات في سوريا مظاهرات سلمية، تستمر قوات الأمن السورية في استخدام قوة مميتة لقمعها، وإزالة أي معارضة. وقد ضربت قوات الأمن المتظاهرين بالذخيرة الحية مصيبة النصف العلوي من أجسادهم، وهذا ما يدل على أن غرضها ليس مجرد تفريق صفوف الحشود، وإنما ترهيبهم، جرحهم وقتلهم أيضًا[1]. وقد أدى استخدام القوة المميتة إلى مقتل ما يقرب من 3000 مدني خارج نطاق المحاكم[2]. وفي حين أن المتظاهرين مستهدفين بشكل كبير، لم ينج غيرهم من المدنيين الذين لا علاقة لهم بالمظاهرات من القتل أيضًا. وبالإضافة إلى سقوطهم قتلى، يصاب المتظاهرون بشكل روتيني بجراح إثر استخدام الذخيرة الحية، العصي، الحجارة، السكاكين.

كما تعرض الجنود الذين رفضوا تنفيذ أوامر إطلاق النار على المتظاهرين إلى القتل على أيدي قوات الأمن؛ وهناك العديد من البلاغات عن وقوع حوادث قتل خارج نطاق القانون لبعض أفراد الجيش، وكذا بلاغات عن مقتل جنود وضباط ممن رفضوا إتباع أوامر فتح النيران على المدنيين. ومثال على هذا، واقعة 10 إبريل في حمص، التي أعدمت فيها المخابرات السورية 14 جندي، وضابطاً واحداً (رامي كتش) بعد رفضهم إطلاق النيران على المتظاهرين[3].

وقد جندت السلطات السورية أيضًا شبيحة مسلحين لمساعدتها في حملتها على المحتجين[4]. وقد حشد مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان العديد من الشهادات التي تؤكد وجود هؤلاء الشبيحة، كما تؤكد وقوع أعمالهم التي استهدفت قمع المحتجين، نشر الذعر والمساهمة في الهجمات العسكرية داخل المدن المحاصرة.

2)     بالإضافة إلى الوفيات التي حدثت منذ اندلاع الاضطرابات، وقع الآلاف ضحية الاعتقال التعسفي والحجز. وفي العديد من المناسبات، حدثت هذه الاعتقالات بشكل جماعي. وإلى جانب مناطق التظاهر، تحدث مداهمات واعتقالات أحيانًا داخل منازل خاصة، لاسيما منازل الصحفيين، أو النشطاء الحقوقيين، وأحيانًا عند نقاط التفتيش. وفي حين يصعب تحديد إجمالي عدد هذه الاعتقالات بشكل دقيق، دوَّن مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان 11200 حالة من حالات الاعتقال التعسفي في الفترة ما بين 18 مارس و15 يوليو. وفي يوم الجمعة الموافق 29 إبريل، الذي يعد واحدًا من أكثر الأيام دموية منذ اندلاع الاضطرابات، واليوم الذي عقد فيه مجلس حقوق الإنسان أول جلسة خاصة له بشأن الوضع في سوريا، سجل مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان اعتقال 504 شخصًا بشكل تعسفي في شتى أنحاء البلاد. وفي معظم حالات الاعتقال التي وقعت منذ بداية الاضطرابات، لم توجه أي تهم قضائية ضد المعتقلين وقت اعتقالهم؛ ومثال على ذلك، الاعتقالات واسعة النطاق التي وقعت في درعا، والتي لم يوجه فيها أي اتهام رسمي لأي من المعتقلين. [5]

وقد أفاد العديد من الأشخاص الذين وقع عليهم الاعتقال أنهم حُرموا من أي رعاية طبية، وكذا من الالتقاء بمحاميهم أو أسرهم، وهذا ما يمثل انتهاك للمعايير الدولية للاعتقال. وفي بعض المدن، مثل بانياس ودرعا، أقامت الدولة مراكز احتجاز داخل ملاعب كرة القدم وبعض المدارس.

3) ثمة أدلة على وقوع أعمال تعذيب وسوء معاملة بداخل مرافق الاحتجاز، وكذا أثناء فترات الاعتقال المؤقت. ومن المعتقد أن التعذيب يتم اللجوء إليه كوسيلة لردع المزيد من المظاهرات. وفي يوم الجمعة الموافق 29 إبريل وحده، ظهرت أدلة تفيد أن من إجمالي 504 شخصاً تم اعتقالهم، تعرض مجموعة كبيرة منهم للتعذيب، هذا إلى جانب 56 آخرين لقوا حتفهم إثر التعذيب الذي تعرضوا له.

وهناك أساليب كثيرة للتعذيب، وللمعاملة غير الإنسانية والمهينة تُستخدم ضد المحتجين وغيرهم في سياق الاضطرابات السائدة. ومن وسائل التعذيب الجسدي: اللكم، الضرب، الحرق، تمزيق الجلد، شد الأظافر واستخدام الصواعق الكهربائية، وذلك إلى جانب حجب الرعاية الطبية عن المرضى والمصابين. ومن وسائل التعذيب النفسي: الحبس الانفرادي، التهديد بالموت، العزلة، وعصْب العينين، ذلك إلى جانب تكبيل أيادي العديد من المعتقلين وإلقائهم في أماكن غير معروفة أو في سجون معسكرات الجيش.

وفي حين يستحيل الوصول إلى تقديرات دقيقة نظرًا لتحجيم أعمال الصحفيين والمراقبين المستقلين، مات ما لا يقل عن 148 شخصاً منذ يوم 3 يوليو، وذلك نتيجة ما تعرضوا له من تعذيب. وعندما كانت ترُد قوات الأمن جثثًا يظهر عليها علامات التعذيب إلى عائلاتهم، كانت كثيرًا ما تطلب منهم التوقيع على وثيقة تزعم فيها أن المسئول عن وفاة أفراد أسرهم هم العصابات المسلحة.

4) إن وضع حقوق الإنسان والوضع الإنساني أليم للغاية خاصةً في المدن السورية التي تقع تحت الحصار التام للجيش، وهي: درعا، وبانياس، ومحافظة إدلب التي تقع على الحدود التركية، ويتم محاصرة تلك المدن باستخدام المدفعية الثقيلة، مثل: الدبابات، كما يتم حجب المعلومات تمامًا عنها.

ويسود في درعا، حيث بدأت الحركة الاحتجاجية، وضع ربما هو الأكثر وحشية بالمقارنة بباقي المدن السورية التي تقع تحت الحصار. فقد فتحت قوات الأمن النيران بشكل منتظم على حشود أغلبها سلميين أثناء خروجهم في حركات احتجاجية، وكذا مواكب جنائزية؛ وقد أسفر ذلك عن مقتل ما لا يقل عن 418 شخصًا وإصابة المئات الآخرين بحلول شهر يوليو[6]. وقد بدأت العملية العسكرية واسعة النطاق في درعا تحدث في أواخر شهر إبريل، عندما وضعت قوات الأمن السورية المدينة تحت سيطرة الجيش، وفرضت عليها الحصار، مانعةً بذلك أي دخول أو خروج منها، وحارمةً سكان المدينة نفسهم من الخدمات الأساسية[7]. وبهذا الوضع، تكون قوات الأمن قد خلقت الأزمة الإنسانية السائدة حالياً والمستمرة.

وتشير هذه الأنماط بوضوح إلى وقوع جرائم ضد الإنسانية في سوريا. ويدعم كل من المحتوى والنتائج التي توصلت لها بعثة تقصي الحقائق التابعة لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق لإنسان وجود أنماط من الانتهاكات تصل إلى حد كونها جرائم ضد الإنسانية. كما يؤكد هذا التقييم أيضاً البيانات الصادرة عن المستشارين الخاصين للأمين العام للأمم المتحدة المعنيين بمنع جريمة الإبادة الجماعية وبمسئولية الحماية، والتي تفيد أن حجم وخطورة الانتهاكات التي ترتكب في سوريا تشير إلى احتمالية قوية لوقوع جرائم ضد الإنسانية فيها.

وعلى الرغم من الإشارات القوية لوجود جرائم ضد الإنسانية، فإن مجلس الأمن قد أخفق حتى الآن في الالتزام بمسئوليته نحو توفير الحماية اللازمة، وذلك في الوقت الذي تستمر فيه قوات الأمن السورية في ذبح الأبرياء من السوريين بصفة يومية. وينبغي على مجلس حقوق الإنسان بدوره أن يقدم كل ما هو مستطاع، في إطار مهامه، بغية الرد على جرائم حقوق الإنسان الدولية التي تُرتكب في سوريا.

ويحث كل من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، ومؤسسة هيثم المالح للدفاع عن المدافعين عن حقوق الإنسان في سورية مجلس حقوق الإنسان والدول المنفردة الأعضاء فيه على ما يلي:

  • الاستمرار في أخذ الوضع في سوريا بعين الاعتبار، وضمان إبقائه على جدول أعمال المجلس إلى أن تأتي نهاية لانتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب ضد المحتجين السلميين داخل البلاد، وحتى توضع تدابير لمحاسبة مرتكبيها.
  • حث سوريا على إيقاف كافة الانتهاكات، وإطلاق سراح كافة المحتجزين في سياق الاحتجاجات السلمية، ووضع حد للتعتيم الإعلامي والمعلوماتي في التو.
  • حث سوريا على التعاون مع لجنة التحقيق المكلفة حديثاً بموجب القرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان الذي تم اعتماده في الجلسة الثانية الخاصة بشأن سوريا يوم 23 أغسطس 2011، وكذا السماح لها بالدخول إلى كافة المناطق والتعامل مع كافة الأطراف بشكل غير المشروط.
  • التأكد من أن لجنة التحقيق في إمكانها رفع تقاريرها إلى المجلس في أقرب وقت ممكن، وذلك فيما يتعلق بالنتائج التي توصلت إليها.
  • ضمان متابعة النتائج والتوصيات التي خرجت بها لجنة التحقيق.
  • حث مجلس الأمن على إحالة ملف سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب بداخلها.

بالإضافة إلى ذلك، نحث مجلس الأمن على ما يلي

  • التصرف وفقاً للنتائج التي خرجت بها بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، والتي توصلت إلى وجود جرائم ضد الإنسانية ترتكب بداخلها، فضلاً عن إحالة الوضع في سوريا على التو إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في هذه الادعاءات.
  • فرض مجموعة من العقوبات الصارمة على الحكومة السورية، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة توفير المطالب الإنسانية للمواطنين، بما في ذلك وضع حظر تام على بيع الأسلحة أو الاتجار فيها مع الحكومة السورية.


[1]  ”بشار الأسد: مجرم ضد الإنسانية”، الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، يوليو 2011، ص8.
[2]  بناء على تحديث أخير أعده المركز السوري للعدالة الانتقالية وتمكين الديمقراطية، وكذا أرقام رصدتها مؤسسة هيثم المالح للدفاع عن المدافعين عن حقوق الإنسان في سورية.
[3]  نفس المرجع السابق.
[4]  تقرير صادر عن بعثة تقصي الحقائق بشأن سوريا، عقب صدور قرار مجلس حقوق الإنسان رقم S-16/1″، نسخة متقدمة وغير منقحة، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أغسطس 2011، ص5.
[5]  ”لم نرى قط مثل هذا الذعر في حياتنا: جرائم ضد الإنسانية على يد قوات الأمن السورية” منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش)، يونيو 2011، ص34.
[6]  منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش)، يونيو 2011، ص14.
[7]  نفس المرجع السابق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Twitter

Contact us!

contact us.

  • user_white contact us
  • speech_white Tel. +2 02 27951112
  • mail_white E-mail: info@cihrs.org
Scroll to top