Invent

الانتفاضة العربية وسياسات التعذيب والإفلات من العقاب


إن تصاعد وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بهدف قمع موجة الاحتجاجات الجماعية المؤيدة للديمقراطية التي تجتاح جميع أنحاء المنطقة العربية هو نتاج سنوات من ثقافة الإفلات من العقاب عميقة الجذور. فقد استخدمت الأنظمة الاستبدادية التعذيب على نحو ممنهج في جميع بلدان الشرق الأوسط تقريبًا لسنوات عديدة، وهو ما أسفر عن أنماط غريبة من التعذيب تُمارس حاليًا ضد آلاف من مؤيدي الديمقراطية في المنطقة العربية.
 وثقت منظمات حقوق الإنسان لعقود من الزمان استخدام التعذيب في سوريا، البحرين ومصر، لاسيما ضد المعارضة السياسية والمتطرفين الإسلاميين. واستخدام النظام الحاكم في مصر وجهاز أمن الدولة -سيئ السمعة -التابع له التعذيب بشكل ممنهج ضد الإسلاميين في السجون، لاسيما في تسعينات القرن الماضي، وأصبح هذا النظام حليفًا قويًا للولايات المتحدة في وقت لاحق ضمن برنامجها للتسليم القسري كجزء من “الحرب ضد الإرهاب”. وبالمثل كان التعذيب يُمارس في البحرين بشكل متكرر في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، حيث كان محترفى التعذيب سيئو السمعة يحصلون على ضوء أخضر للتعذيب ويتمتعون بحصانة، الأمر الذي كرسه في وقت لاحق المرسوم الملكي رقم 56/2002.[1] أما سوريا، فيمكن القول بأنها الدولة البوليسية الأكثر توطدًا في المنطقة، فقد اشتهرت السجون ومراكز الاعتقال سيئة السمعة فى سوريا بممارسة التعذيب المنهجي على مدى السنوات الأربعين الماضية من حكم عائلة الأسد.
في أعقاب الاحتجاجات الجماعية واسعة النطاق في سوريا، استُحدثَت أساليب تعذيب جديدة أكثر وحشية لقمع الانتفاضة الشعبية. ويعتقد أن المئات من بين القتلى الذين قدر عددهم بأكثر من 7000 قتيل منذ مارس/آذار 2011، لقوا حتفهم نتيجة للتعذيب، ووفقًا لما أوردته جماعات حقوق الإنسان المحلية، وصل عدد حالات الوفاة تحت وطأة التعذيب إلى 480 حالة[2]، كما تعرض آلاف المحتجزين للتعذيب بالإضافة إلى ذلك.
تُستخدم ممارسات قديمة موثقة للتعذيب على نطاق واسع ضد المحتجزين، تتنوع بين الصفع، والضرب بالهراوات والعصي الخشبية والأسلاك الكهربائية وأعقاب البنادق، الصعق بالكهرباء، الحرق بالسجائر، التعليق، وتقنيات أخرى شائنة مثل “الكرسي الألماني”، و”البساط الطائر”، و”النعش الكهربائي”، و”الشبح”. وتمتد أساليب التعذيب لتشمل أيضًا الطعن والاغتصاب باستخدام أشياء صلبة، وبتر أجزاء من الجسم بما في ذلك الأعضاء التناسلية قبل أو بعد الوفاة على حد سواء، ونزع الشعر والأظافر، وانتزاع أو إزالة بعض أعضاء الجسم التي يُعتقَد أنها تُهرَّب خارج سوريا وتُباع في وقت لاحق. وتُظهر لقطات لجثة الناشط غيث مطر البالغ من العمر 26 عاما آثار حروق شديدة على عنقه وصدره وندبة كبيرة في بطنه، حيث يعتقد أن بطنه قُطع وفُتح لسرقة بعض أعضائه.
وتذكر تفاصيل شهادة أخرى لأحد المجني عليهم أنه تعرض لضرب مبرح على القدمين لعدة أيام، ثم أُجبر بعد ذلك على المشي على صخور نثر عليها الملح، موضحًا أنه “عندما تنزف قدماك ثم يدخل الملح في لحمك، يكون ذلك أشد إيلامًا بكثير من الضرب”.[3]
في مصر، استُخدمَت أساليب تعذيب جديدة ومهينة منذ تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد في 11 فبراير/شباط 2011. فقد استخدمت الشرطة العسكرية طوال العام الماضي وبشكل منهجي الهراوات الكهربائية والخشبية لتفريق المظاهرات السلمية أو لانتزاع شهادات من معتقلين سياسيين ومحتجزين جنائيين على حد سواء. كما استُخدم الرصاص المطاطي و”الخرطوش” على نطاق واسع في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وفبراير/شباط 2012، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى وآلاف الجرحى. علاوة على ذلك، لقي ثلاثة مصريين على الأقل حتفهم نتيجة للتعذيب في مرافق الاحتجاز. بالإضافة إلى ذلك تعرضت سبع عشرة متظاهرة اعتقلن في ميدان التحرير في 9 مارس/آذار لما يسمى بـ “اختبارات العذرية” أثناء وجودهن في سجن عسكري. وشمل العنف الذي مارسه الجيش ضد المتظاهرات في ديسمبر/كانون الأول 2011 أيضًا محاولة مروعة لأحد ضباط الجيش لحفر حرف “ط” أو “T” – الذي يرمز للمشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة – على رأس إحدى المحتجات لتظاهرها ضد الحكم العسكري. ولم يتعرض أي شخص لمساءلة حقيقية عن جرائم التعذيب هذه أو عن الجرائم التي ارتكبت في ظل نظام مبارك.
برغم محاولة الأنظمة الاستبدادية إسكات الأصوات المطالبة بالديمقراطية، تتزايد بشكل كبير عدد مواقع التعذيب والكيانات الحكومية أو الهيئات التابعة لها المسئولة عن الإشراف على التعذيب.  ففي البحرين، مورس التعذيب ضد المتظاهرين أو القطاعات الداعمة للاحتجاجات الجماعية في فبراير/شباط 2011 في مراكز الاحتجاز، وعند نقاط التفتيش، وفي المنازل قبل الاعتقال، وفي المستشفيات. وتعتبر حالة المدافع البارز عن حقوق الإنسان عبد الهادي الخواجة حالة صادمة، حيث بقي في السجن منذ 9 أبريل/نيسان 2011 لقضاء حكم بالسجن مدى الحياة بتهم ملفقة، حيث تعرض لتعذيب شديد، ومنعت عنه الرعاية الطبية الملائمة وهُدد بالاغتصاب أثناء احتجازه، وهو يعاني في الوقت الراهن من كسر في فكه.
وينسحب الأمر نفسه على الثورة في مصر، التي يُمارَس التعذيب فيها منذ قيام الثورة، ليس في مرافق الاحتجاز القانونية ومراكز الشرطة فحسب، بل وفي السجون العسكرية أيضًا[4] وفي بعض المناطق القريبة من ميدان التحرير حيث يُحتجز المحتجون ويتعرضون للتعذيب، مثل المتحف المصري (الذي استُخدم كموقع للتعذيب لعدة أشهر في عام 2011)، وقاعات وزارة الداخلية (التي استُخدمَت على الأخص في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011)، ومبنى البرلمان المصري ومجلس الشورى ومجلس الوزراء (في ديسمبر/ كانون الأول 2011)، هذا بالإضافة إلى ضرب وركل المحتجين في الشوارع. علاوة على ذلك، تصاعدت وتيرة ممارسة -مثيرة للقلق- تزايدت في ديسمبر/كانون الأول 2011، حيث يتم اختطاف الناشطين على يد مدنيين مجهولين، ويتعرضون للتعذيب ثم يطلق سراحهم.
أما في سوريا، فيمارس التعذيب أفراد تابعين للمخابرات العسكرية واستخبارات القوات الجوية والجيش والأمن الجنائي وأجهزة أمن الدولة والحرس الجمهوري، فضلاً عن الميليشيات التابعة للحكومة (التي تعرف بـ”الشبيحة”). ولكل من هذه الأجهزة الأمنية مراكز احتجاز خاصة بها تنتشر في جميع أنحاء سوريا، حيث تقوم بممارسة التعذيب وتتحفظ على المعتقلين قبل نقلهم إلى السجون، بما في ذلك داخل الملاعب الرياضية والمدارس وحتى الأسواق، والتي يمارس فيها التعذيب على نطاق واسع أيضًا. ومما يثير القلق الشديد استخدام التعذيب في بعض المستشفيات السورية، أحيانا من قِبل الطواقم الطبية، كما هو موثق في تقارير عدة. فوفقًا لشهادة طبيب سوري، ذكر أنه رأى ممرضة في أحد المستشفيات في حمص تضرب صبيًا عمره 14 عامًا أُصيب بطلقات نارية[5]. وقد أورد تقرير لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا -المكلفة من قبل مجلس حقوق الإنسان- تفاصيل واسعة النطاق عن تعذيب الأطفال. ويتراوح سن ضحايا التعذيب في سوريا بين الثالثة عشرة والثانية والسبعين.
يتزايد استخدام التعذيب كوسيلة للتخويف والعقاب أيضًا بدرجة كبيرة، ويتجاوز في بعض الأحيان غرض انتزاع المعلومات أو الاعترافات، إلى إستُخدمَ التعذيب حتى دون سبب معين، وهو ما وصفه نديم حوراني من منظمة مراقبة حقوق الإنسان “هيومن رايتس ووتش” بالتعذيب الذي “لا معنى له”.[6] وفي حادث من هذا القبيل، زعم ضابط في الجيش أن السبب وراء إطلاق النار على فتاة عمرها سنتين هو أنه كان يريد منعها من التحول إلى محتجة عندما تكبر. كما يُستخدَم التعذيب ضد أقارب بعض الناشطين إما للضغط عليهم لتسليم أولادهم إلى السلطات أو كنوع من العقاب الجماعي للأسرة. وقد تسلمت أسرة زينب الحسني البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً جثتها التي حملت آثار تعذيب من المشرحة، بينما كانت تبحث عن رفات أخيها. الجدير بالذكر أن زينب تعرضت للتعذيب والقتل بسبب تورط شقيقها في الاحتجاجات.
وبالمثل، تعرض الأطباء للتعذيب في البحرين كنوع من العقاب على علاج الجرحى من المتظاهرين، كما تعرض المرضى للتعذيب والاعتقال داخل المستشفيات. ومازال مستشفى السلمانية الرئيسي في المنامة تحت سيطرة الحكومة وقوات الأمن حتى وقتنا هذا، ويحجم المصابين بأيدي الشرطة الذهاب إلى هذا المستشفى لتلقي العلاج خوفا من تعرضهم للاعتقال. وقد أصبحت المستشفيات في البحرين أماكن “يُخشى منها” وفقا لمنظمة أطباء بلا حدود.[7]
افتقر هذا السياق من التعذيب واسع النطاق إلى المساءلة تمامًا. وربما كان الفشل في إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية هو الدليل الأكثر فجاجة على ذلك.
وحتى في البحرين ومصر، حيث اتُخذَت خطوات تجميلية أو مظهرية نحو المساءلة، يسود الإفلات من العقاب. ففي البحرين، تعهد الملك بتنفيذ جميع توصيات لجنة التحقيق المستقلة في البحرين، التي جاء فيها أن التعذيب أصبح منهجيًا في المملكة، بيد أن جماعات حقوق الإنسان وثقت حالتي وفاة تحت وطأة التعذيب على الأقل في يناير/كانون الثاني 2012 وحده. وأفاد العديد من التقارير خلال شهر يناير/كانون الثاني أيضًا أن قوات الأمن احتجزت وعذبت المحتجين في عدد من الأماكن العامة، مثل الفناء الموجود خلف مركز شرطة سترة، ومبنى بلدية كرزاكان، ونزل سنابس للشباب، فضلاً عن مواقع للبناء. ويحث مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب على إجراء زيارة للبحرين في أقرب وقت ممكن.
ولا يختلف الوضع في مصر كثيرًا. فالمجلس العسكري مستمر في فتح تحقيقات حول مقتل أكثر من 100 مدني والإساءة للعديد من المدنيين الآخرين منذ وصوله إلى السلطة، ولكن هذه التحقيقات لا تسفر عن أي نتائج. وفي المقابل، يلاحق المجلس الأعلى للقوات المسلحة على نحو منهجي المنظمات غير الحكومية التي تجرؤ على انتقاد سجل حقوق الإنسان سيء السمعة الخاص به، والتي تدعو إلى محاسبة المسئولين عن جرائم التعذيب



1 يمنح المرسوم الملكي رقم 56/2002 حصانة من الملاحقة القضائية لمسؤولي الدولة والمسؤولين الأمنيين عن الانتهاكات التي ارتكبت قبل عام 2001.

2 وفقاً للأرقام التي وثقتها قاعدة بيانات شهداء ثورة سورياhttp://www.syrianshuhada.com/default.asp?lang=en&a=st&st=9.

3Miller, Jonathan, “Syria Torture Machine,” the Guardian, http://www.guardian.co.uk/world/2011/dec/13/syria-torture-evidence?CMP=twt_gu

4  أحيل ما يقرب من 12.000 مدني إلى محاكمات عسكرية في مصر. وقضى معظم المعتقلين وقتاً في سجون عسكرية وفي النيابة، حيث ممارسة التعذيب أمر شائع. 

5 استناداً إلى شهادة حصلت عليها وكالة أنباء بي بي سي http://www.bbc.co.uk/news/mobile/world-middle-east-15433916
  Miller, Jonathan, “Syria Torture Machine,” the Guardian,

6http://www.guardian.co.uk/world/2011/dec/13/syria-torture-evidence?CMP=twt_gu

7 أطباء بلا حدود: الخدمات الصحية أصيبت بالشلل: الانقضاض العسكري على المرضى في البحرين

http://www.doctorswithoutborders.org/publications/reports/2011/Bahrain_BP_Final_06042011_2106_FR-EN%20LOGO.pdf

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Twitter

Contact us!

contact us.

  • user_white contact us
  • speech_white Tel. +2 02 27951112
  • mail_white E-mail: info@cihrs.org
Scroll to top