الاتفاق على الترتيبات الأمنية.. هل يقود إلى السلام في السودان؟

In صالون بن رشد by CIHRSLeave a Comment

أثار توقيع اتفاق الترتيبات الأمنية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان مؤخرا التساؤل حول إمكانية أن يقود ذلك إلى السلام في السودان بعد حرب أهلية دامت سنوات طويلة، وكان هذا التساؤل محور ندوة دعا إليها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في إطار صالون بن رشد تحت عنوان : “الاتفاق على الترتيبات الأمنية.. هل يقود إلى السلام في السودان؟”.
وفي بداية الندوة تحدثت الدكتورة إجلال رأفت الأستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ورئيس لجنة السودان بحزب الوفد فأشارت إلى أن واقع الحال في السودان والاتفاق الأخير يثيران عدة تساؤلات حول إمكانية أن تقبل الحكومة بنائب أول من الجنوب وأن تقبل باقتراح الحكومة تشكيل لجنة ثلاثية من الشمال والجنوب والتجمع الوطني الديمقراطي السوداني الذي يضم فصائل معارضة سودانية أساسية.
وأشارت إلى أن الاتفاق الأمني الأخير يتضمن بقاء الجيشين –في الشمال والجنوب- منفصلين مع الاتفاق على تشكيل قوة مشتركة منهما وتخفيض نسبي للقوات على الجانبين. وأضافت إن النظر إلى القوات المشتركة باعتبارها نواة لجيش قومي هى مسألة عليها ملاحظات من المعارضة لافتة إلى أن الجيش السوداني حاليا ليس جيشا قوميا مرجعة ذلك إلى أن النسبة الغالبة داخله هى لجبهة الإنقاذ.
وتساءلت عما إذا كان يمكن أن تقبل قوات الدفاع الشعبي حل نفسها بسهولة تنفيذا للاتفاق الأمني الذي يقضي بتسريح الميلشيات، وقالت إن الحديث عن تخفيض الجيوش عقب إعلان الاتفاق النهائي ونفيه من قبل البعض في الشمال يشير إلى تململ وعدم رضا داخل الجيش السوداني عن ذلك الأمر.
وأوضحت أن مسار المفاوضات يشير إلى أن المعارضة السودانية ليس لها إلا صفة مراقب، ولا يبدو واضحا عن كيفية انتقال المعارضة لتصبح طرفا مشاركا في تنفيذ الاتفاق النهائي مشيرة إلى أن هذه الإشكالية من الطبيعي أن تكون مطروحة في الشمال بقوة عنها في الجنوب.
أثارت الدكتورة إجلال مسألة الشفافية في الانتخابات وكيفية إيجادها في ظل تحكم المادة في هذه العملية وامتلاك الحكومة لأدواتها واعتماد الحركة الشعبية على التمويل الخارجي بما يعني أن المشكلة هى في المعارضة فقط.
وقالت إن هناك موضوعات لم تطرح بعد مثل عدالة التنمية والتوترات العرقية والتطرف الإسلامي في الشمال والذي يصل مؤخرا –حسب الدكتورة إجلال- إلى حد التهديد باغتيال عناصر إسلامية تتحدث عن قومية العاصمة.
وأضافت أن هناك قضايا أخرى أيضا تحتاج للطرح مثل قضية النازحين وإعادة توطينهم وإعادة بناء القرى التي تحطمت وفرص العمل والمعيشة لأهالي هذه القرية.
وفي بداية حديثه أوضح العميد حمدي جعفر رئيس التجمع الوطني الديمقراطي السوداني فرع مصر، أن التجمع لم يقل رأيه بوضوح فيما يحدث وفي الاتفاق الأمني الأخير، وأنه لذلك يتحدث باعتباره خبيرا عسكريا معارضا، واستهل مداخلته باستعراض تطور الأوضاع في السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية.
انتقل جعفر ليتحدث عن اتفاق الترتيبات الأمنية فأشار إلى أن الاتفاق تناول وضعية الجيشين في الشمال والجنوب وإعادة الانتشار وحجم القوات المشتركة وهى بالمناصفة بين الحكومة والحركة الشعبية مع وجودة هيئة قيادة مشتركة تكون القرارات فيها بالإجماع ومهامها التنسيق بين الجيشين.
اعتبر العميد جعفر أن اتفاق الترتيبات الأمنية يساعد الحكومة السودانية على التلاعب بتجاهله الجوانب المتعلقة بقضايا الأمن والشرطة، واصفا اتفاق الترتيبات الأمنية بأنه يكرس ديكتاتورية الشمال، حيث يدعو كل القوى الشمالية للدخول تحت عباءة الحكومة إذا رغبت في السلطة.
وحذر من أن القوات المشتركة المقترحة ستعطي ميزة داخل كيان القوات المسلحة بعكس ما هو معتاد في الجيوش العادية وسيكون لها زي معين بما يجعلها أشبه بالجيوش العقائدية وبما يخلق تمايزا خطيرا قد يؤدي لكارثة.
وأضاف جعفر أن القوى المسلحة في السودان أربع قوى، وأن تجاهل الاتفاقيات لأي منها يعني استمرار الحرب واشتعال فتيلها في أية لحظة، وهى المشكلة التي لم يتعرض لها اتفاق الترتيبات الأمنية.
ولفت إلى أن وجود قيادتين عسكريتين في وطن واحد يحمل داخله تيارا خطيرا ويشعل فتيل الخطر؛ لأن كلتا القيادتين ستميل إلى فصيله، مشيرا إلى أن الجيوش لابد وأن تكون تحت إمرة جهة واحدة وأن موضوع اتخاذ القرارات بالإجماع أمر يصعب تحقيقه في الجيوش، مدللا على ذلك بأن الديمقراطية الكاملة في أمريكا تتلاشى عند الحديث عن الأمن القومي.
أشار جعفر إلى أن حكومة الإنقاذ قامت بتصفية المؤسسة العسكرية وفصل آلاف من الضباط وأن الجيش الموجود حاليا يمثل الجبهة القومية الإسلامية، ومن البديهي أن القوات المشتركة ستكون قوات هذه الجبهة وكوادرها.
ولفت إلى أن العقيدة العسكرية القتالية تأتي من الدستور أو العقيدة وأنها شئ أساسي وخطير ونبراس للبلد، متسائلا عن كيفية التوفيق في تحقيق هذه العقيدة بين فكر إسلامي خالص وفكر يسعى لبناء سودان جديد؟.
طالب جعفر ببناء مؤسسة عسكرية قومية تمثل تركيبة كل القوى والفصائل والمناطق السودانية، مشيرا إلى أن تركيبة الجيش السوداني خاطئة لا تعكس هذا التمثيل حيث معظم الضباط من الشمال والجنود وضباط الصف إما من الغرب أو الجنوب.
واعتبر مجدي النعيم -المدير التنفيذي لمركز القاهرة والذي أدار الحوار- أن موقف الدول العربية تجاه السودان كان ملتبسا وأن بعض الدول كانت أحيانا طرفا في تأجيج الصراع، مشيرا إلى أن الجامعة العربية بدأت تنظر مع قيادتها الجديدة بشكل مختلف لقضايا كالنزاع السوداني الذي بدأ يوضع على أجندتها متسائلا عما لدى الجامعة من خطط وإمكانات للإسهام في بناء السلام في السودان.

غياب
وتحدث سمير حسني مدير إدارة أفريقيا للتعاون العربي الأفريقي بجامعة الدول العربية فأشار بداية إلى أنه كان من المهم وجود ممثلين للطرفين اللذين وقعا اتفاق الترتيبات الأمنية في السودان لتكتمل الصورة حول الاتفاق. وأوضح أن الجامعة العربية رحبت باتفاق الترتيبات الأمنية باعتباره خطوة على طريق إنهاء الصراع، مقدرا أن اتفاق السلام النهائي قد وقع بالفعل بتوقيع هذا الاتفاق، وأن ما تبقى من قضايا لا يوجد خلاف كبير حولها، بل جرى التوصل لاتفاقات بشأنها.
وأشار حسني إلى أن الجامعة العربية مغيبة عن ساحة المفاوضات في السودان، لكنها ليست مغيبة عن المسألة السودانية وأرجع تغييب الجامعة عن المفاوضات إلى عدة أسباب ذكر منها أن الطرفين لم يكن لديهما إصرار على أن تكون الجامعة موجودة في المفاوضات ولو بصفة مراقب، رغم حرص الجامعة على ذلك، وتقديمها طلبات محددة في هذا الشأن دون أن تتلقى ردا سوى سماع الكلام الطيب والترحيب من جانب الحكومة والحركة الشعبية.
أضاف أن السبب الآخر يتمثل فيما آلت إليه المبادرة المصرية الليبية المشتركة من فشل، وانتقالها من حيز السياسة إلى حيز التاريخ مرجعا فشل هذه المبادرة في رأيه إلى تعاليها على ما أجمع عليه الشعب السوداني حول حق تقرير المصير وافتقادها لكثير من الأدوات وآليات العمل لإنجاحها كوجود صندوق محدد للإنفاق عليها.
واستطرد مشيرا إلى أن السبب الثالث في تغييب الجامعة يتمثل في عدم اهتمامها بالمسألة السودانية قبل تولي عمرو موسى منصب الأمين العام، والذي حمل معه من الخارجية المصرية ملف الاهتمام بالمسألة السودانية.
وأشار إلى أن الجامعة العربية رحبت باتفاق ماشاكوس واعتبرت أن المحك يتمثل في أن يعمل العرب على جعل وحدة السودان هى الاختيار حيث عرضت في هذا المجال خطة على القيادات العربية وتم تشكيل لجنة وزارية لمتابعة عملية السلام في السودان ودفعها لتحقيق الوفاق الوطني شمالا وجنوبا بما ينعكس إيجابيا على الدولة السودانية الموحدة أو حتى غير الموحدة، موضحا أن الجامعة العربية عقدت عدة اجتماعات وعكست الإرادة السياسية العربية الحريصة على وحدة السودان، وعلى أن يضطلع العرب بدور محدد وفاعل في تنمية الجنوب لجعل الوحدة خيارا جاذبا واستطرد سمير حسني مشيرا إلى اختيار الدكتورة نادية مكرم عبيد كمبعوث شخصي للأمين العام في السودان، بما عكس درجة من الاهتمام بالشأن السوداني موضحا أن العلاقة الراهنة بين الجامعة العربية والحركة الشعبية هى علاقة جيدة، وقال إنه بقدر ما رغبت الجامعة في هذه العلاقة ترغب فيها الحركة أيضا، وهو ما استفاد منه الطرفان مشيرا إلى استقبال عمرو موسى لجارانج، وطرح الأخير نفسه كزعيم حريص على وحدة السودان.
أكد حسني أن الجامعة العربية ترغب، بل وتصر أن تكون طرفا أساسيا في تنفيذ ومراقبة اتفاق السلام النهائي، وأنها تطلب من الطرفين ومن الدول الأعضاء بالجامعة ذلك، مشيرا إلى أنها مازالت تستغرب لاستبعادها كطرف أساسي من المفاوضات.
وحول الجهود التنموية للجامعة في السودان أشار إلى أن الدول العربية تفضل تقديم عونها المادي للسودان عن طريق العلاقات الثنائية حتى يمكن توظيف ذلك بطريقة سياسية، رغم أن قمة بيروت قررت إقامة صندوق تنمية الجنوب السوداني، مشيرا إلى أن هذا الصندوق لم يتلقى سوى مبالغ ضئيلة، ومشيرا إلى عقد ثلاثة اجتماعات شاركت فيها الصناديق القطرية في كل من أبي ظبي والسعودية والكويت وكانت حصيلة ذلك أن كل المشروعات التي تقدمت بها الحكومة السودانية تم توسيعها لتشمل المناطق الأخرى المتأثرة بالحرب وليس الجنوب فقط.
وأكد حسني على أهمية إنعاش وتشجيع المجتمع المدني العربي للعمل في جنوب السودان وإيجاد توأمة بين مدن سودانية ومدن عربية، وقال إن هناك مسئولية لمنظمات المجتمع المدني العربي للتواجد على الساحة السودانية مطالبا إياها بطرح مشروعات محددة في السودان والبحث عن مصادر تمويل مثلما نجد تمويلا لقضايا أخرى عديدة، ومؤكدا على أن المجتمع المدني كان بالفعل سباقا على الحكومات في الاتجاه للسودان.
وفي تعقيبها الختامي تساءلت الدكتورة إجلال رأفت عما إذا كان اهتمام الجامعة العربية بالجنوب السوداني فقط نوعا من المساندة للمصلحة المصرية، وأجابت بأنها شخصيا تختلف مع وجهة النظر الرسمية المصرية تجاه حق تقرير المصير للجنوب، مشيرة إلى أن الجميع مع الوحدة الطوعية، ولكن هناك تساؤلا يجب طرحه وهو: هل لو حدث بعد ست سنوات –وهى الفترة الانتقالية- أن اختار الجنوبيون الانفصال عن الشمال فهل سيعني هذا بالضرورة الإضرار بالمصالح المصرية، وأجابت بأن الانفصال لن يكون ضررا بشرط أن تكون العلاقات المصرية بالجنوب السوداني أفضل مما هى عليه الآن، خاصة وأن نصف أعضاء الحركة الشعبية تقريبا تلقوا تعليمهم في مصر كما أن مصر لم يكن لها يد في الحرب التي دارت في الجنوب.
واعتبرت أن بداية المشكلة جاءت عندما اتخذت مصر موقفا رسميا ضد تقرير المصير مؤكدة أنه يجب أن نتدارك هذا الخطأ وأن نقيم علاقات طيبة مع الجنوب، وقالت لا أعتقد أن مياه مصر ستضار إذا كانت هناك علاقات طيبة مع الجنوب كما هو الحال مع كينيا وغيرها.
وأكد العميد حمدي جعفر أن التجمع الوطني الديمقراطي يعتبر الحركة الشعبية بقيادة جارانج فصيلا أصيلا داخل فصائله ولا يوجد لديه –التجمع- تحفظ ضخم إزاء ما يحدث في ماشاكوس وإنما رحب به وفوض التجمع جارانج للحديث باسمه في نيروبي وباسم كل فصائل التجمع غير أنه عبر عن خشيته من أن يؤدي الاتفاق الأخير لمزيد من التفتيت للقضية السودانية، مشيرا إلى أنه لا يمكن أن يكون مقبولا دستوريا أن يمثل فصيلان فقط في دولة متعددة الأجناس والأعراق والثقافات وأن بناء السودان الحقيقي يحتاج تمثيلا لكل هؤلاء.
وأشار سمير حسني إلى أن حديثه تضمن نقدا مباشرا لدور الجامعة العربية في السودان في الفترات السباقة وأنه يحفز الجامعة لتقديم دور أكبر في السودان، مشيرا إلى أنه في الوقت الذي غابت فيه الجامعة من قبل لم يكن هناك وجود قوى ومنظمات أخرى كالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيجاد وغيرهم من الموجودين الآن على الساحة السودانية، مشيرا إلى أن المشكلة كانت في ذلك الوقت تتمثل في عدم معرفة ما تريده الحكومة السودانية.
وأشار إلى أن جهودا بذلت لعقد مؤتمر للوفاق الوطني السوداني في إطار الجامعة، ولكن لم يكتب لهذه الجهود النجاح لأسباب عديدة، مؤكدا أن ما فعلته الجامعة لا يساوي أبدا أن يتم تجنبها أو عزلها عن مفاوضات ماشاكوس

This post is also available in: English

اترك رد